وُلِدَ السيد علي الحسيني الخامنئي، نجلُ المرحوم حجة الإسلام والمسلمين الحاج السيد جواد الحسيني الخامنئي، في الثامن والعشرين من شهر صفر سنة 1358هـ (19 أبريل 1939م) في مدينة Mashhad المقدسة، وكان الابنَ الثاني في أسرته.
وقد كانت حياةُ المرحوم السيد جواد الخامنئي، شأنَه شأنُ كثيرٍ من العلماء، بسيطةً وزاهدةً للغاية. ويستذكر آية الله الخامنئي تلك الأيام من حياته قائلاً:
«كان والدي، رغم مكانته الدينية المعروفة، يعيش حياةً بسيطةً جداً. كانت ظروفُنا المعيشية صعبةً للغاية، وأذكر أنّ عشاءنا في بعض الليالي لم يكن سوى الخبز والزبيب، وكانت والدتي تُدبّر ذلك بما تستطيع.»
وكان البيت الذي تقيم فيه الأسرة يقع في أحد الأحياء الفقيرة، إذ يقول:
«كان منزلُنا صغيراً لا تتجاوز مساحتُه نحو خمسةٍ وستين متراً مربعاً، يضم غرفةً واحدةً وسرداباً مظلماً. وعندما كان الناس يأتون للقاء والدي بشأن القضايا الدينية أو الاجتماعية، كنّا نضطر للنزول إلى السرداب حتى تنتهي اللقاءات. وبعد مدة، قام بعضُ أهل الخير بشراء الأرض الخالية المجاورة لمنزلنا، فتمكّنا من بناء غرفتين إضافيتين.»
وُلِدَ آية الله السيد جواد الحسيني الخامنئي في السابع من ديسمبر سنة 1895م الموافق للعشرين من جمادى الآخرة سنة 1313هـ في مدينة Najaf، وتوفي في الخامس من يوليو سنة 1986م. وكان من كبار العلماء والمجتهدين البارزين في عصره، ثم انتقل مع أسرته إلى مدينة تبریز .
وبعد إكماله مرحلة السطوح، هاجر سنة 1918م إلى مشهد المقدسة، حيث تتلمذ في الفقه والأصول على أيدي كبار العلماء، أمثال الحاج آقا حسين القمي، والميرزا محمد آقازاده الخراساني المعروف بـ«الكفائي»، والميرزا مهدي الأصفهاني، والحاج فاضل الخراساني. كما درس الفلسفة عند آقا بزرك الحكيم المشهدي والشيخ أسد الله اليزدي.
وفي سنة 1927م توجّه إلى نجف الأشرف، فحضر دروس كبار المراجع والعلماء، مثل الميرزا محمد حسين النائيني، والسيد أبو الحسن الأصفهاني، وآقا ضياء الدين العراقي، وقد منحه هؤلاء الأعلام إجازة الاجتهاد.
ثم عاد إلى إيران واستقر في مدينة مشهد، حيث بقي فيها حتى آخر أيام حياته. وإلى جانب نشاطه العلمي والتدريسي، تولّى إمامة الجماعة في مسجد الصديقيها في سوق مشهد، المعروف أيضاً بمسجد الأذربيجانيين، كما كان من أئمة الجماعة في مسجد گوهرشاد.
وكان شغوفاً بالمطالعة والبحث العلمي، ومن رفاقه في المباحثات العلمية الحاج ميرزا حسين آبائي، والحاج السيد علي أكبر الخوئي، والحاج ميرزا حبيب ملكي، وغيرهم من أهل العلم، حيث استمرت بينهم مباحثات وتحقيقات علمية لسنوات طويلة.
وقد عُرف بالتقوى والزهد والإعراض عن زخارف الدنيا، وظل محافظاً على بساطة عيشه حتى بعد انتصار الثورة الإسلامية، رغم تولّي نجله مناصب سياسية وإدارية رفيعة. وبفضل أخلاقه السامية وصفاته الإنسانية الرفيعة، كان موضع ثقة الناس واحترامهم دائماً.
ودُفن في أحد الأروقة الواقعة خلف الضريح المبارك للإمام رضا عليه السلام.
وقد وصفه روح الله خمینی في رسالة تعزيته إلى آية الله الخامنئي بأنه «عالِمٌ متقٍ ومتعهد».
وُلِدَت السيدة خديجة ميردامادي عام 1914م، وتوفّيت عام 1989م. وكانت امرأةً متقيّةً، متديّنةً وعالمةً، تمتلك معرفةً عميقةً بآيات القرآن الكريم والأحاديث والتاريخ والأدب. وقد ساندت أبناءها، ولا سيّما علی خامنئی، في نشاطاتهم الثورية ضدّ نظام بهلوي بكلّ قوّة وإخلاص.
ويقول علی خامنئی عن والدته:
«كانت والدتي امرأةً حكيمةً جدًّا، متعلّمةً وواسعة الاطلاع، وكانت تهتمّ بالشعر والفنون أيضًا. وكانت على معرفةٍ جيّدةٍ بشعر حافظ الشيرازي. لكنّي لا أقصد بذلك أنّها كانت متخصّصةً في شعر حافظ، بل كانت تقرأ أشعاره بشغفٍ ومحبة. كما كانت شديدة الأُنس بالقرآن الكريم، وكان صوتها عذبًا وجميلًا للغاية.»
ويضيف قائلًا:
«حين كنّا أطفالًا، كنّا نجتمع حول والدتنا، وكانت تتلو علينا القرآن الكريم. وكانت تلاوتها مؤثّرةً وجميلةً للغاية. وفي المناسبات المختلفة، كانت تتلو آياتٍ تتحدّث عن حياة الأنبياء عليهم السلام. ولأوّل مرّة تعرّفتُ على قصص ابراهیم و موسی وغيرهما من الأنبياء من خلال والدتي. وكلّما كانت تتلو القرآن الكريم وتأتي على ذكر الأنبياء، كانت تشرح لنا قصصهم ومعاني الآيات بتفصيلٍ ووضوح.»
بدأ علی خامنئی تعليمه في سنّ الرابعة من عمره، حيث أُرسل إلى الكُتّاب ليتعلّم القرآن الكريم. ثم التحق بأوّل مدرسة إسلامية في مشهد، وهي “دار التعليم الديانتي”، لمتابعة دراسته الابتدائية. وخلال تلك الفترة، تعلّم أيضًا تلاوة القرآن الكريم وعلوم القراءات على أيدي عددٍ من قرّاء مدينة مشهد.
عندما كان علی خامنئی في الصفّ السادس الابتدائي، بدأ دراسة العلوم الدينية الأوّلية. وقد دفعه شغفه العميق بالعلوم الإسلامية، إلى جانب تشجيع والديه، إلى دخول هذا المجال العلمي بعد إكمال دراسته الابتدائية.
واصل دراسته الدينية في المدرسة العلمية «سليمان خان»، كما تلقّى بعض الدروس الأوّلية على يد والده الكريم. وبعد ذلك التحق بمدرسة «نوّاب»، حيث أكمل مرحلة «السطح» في الحوزة العلمية. وفي الوقت نفسه، استمرّ أيضًا في دراسته المدرسية الحديثة حتى أنهى المرحلة الثانوية.
درس علی خامنئی كتاب «معالم الأصول» على يد آية الله السيد جليل الحسيني السيستاني، كما درس «شرح اللمعة» عند والده الكريم والميرزا أحمد المدرّس اليزدي. كذلك تلقّى دروس «الرسائل» و«المكاسب» و«الكفاية» على يد والده وآية الله الحاج الشيخ هاشم القزويني.
وفي عام 1955م، بدأ حضور درس الخارج عند آية الله السيد محمد هادي الميلاني.
في عام 1957م، توجّه علی خامنئی إلى نجف، حيث حضر دروس عددٍ من كبار أساتذة الحوزة العلمية في النجف، من بينهم محسن الحکیم، ابوالقاسم خوئی، السيد محمود الشاهرودي، الميرزا باقر الزنجاني، والميرزا حسن البجنوردي.
إلّا أنّ والده لم يكن موافقًا على بقائه لفترةٍ أطول في النجف الأشرف، فعاد إلى مشهد وهناك واصل الاستفادة من دروس آية الله محمد هادي الميلاني لمدة عامٍ كامل.
وبعد ذلك، وفي عام 1958م، سافر إلى قم بدافع الشوق إلى المزيد من التقدّم العلمي والتحصيل الديني. وقبل سفره إلى قم في العام نفسه، منحه آية الله محمد هادي الميلاني إجازة الرواية أيضًا.
في قم، تتلمذ علی خامنئی على أيدي شخصيات علمية كبرى، من أمثال آية الله السيد حسين البروجردي، والإمام روح الله خمینی، والحاج الشيخ مرتضى الحائري اليزدي، والسيد محمد المحقق الداماد، والعلامة الطباطبائي. وخلال فترة إقامته في قم، كرّس معظم وقته للبحث والدراسة والتدريس.
في عام 1964م، وبسبب المشكلات التي تعرّض لها والده في البصر، اضطرّ علی خامنئی إلى العودة مجدّدًا إلى مشهد لرعايته ومساعدته. وبعد عودته إلى مشهد، واصل حضور دروس آية الله الميلاني، واستمرّ ذلك حتى عام 1970م.
وفور وصوله إلى مشهد، بدأ بتدريس المراحل العليا من الفقه والأصول، اعتمادًا على كتب «الرسائل» و«المكاسب» و«الكفاية». وإلى جانب ذلك، أقام دروسًا في تفسير القرآن الكريم لعامة الناس، وكان يحضرها عددٌ كبير من الشباب، ولا سيّما الطلّاب الجامعيون.
كان علی خامنئی يبيّن في دروسه التفسيرية المبادئ الأساسية للفكر والفلسفة الإسلامية في ضوء آيات القرآن الكريم. وكان يؤكّد في هذه الدروس على ضرورة النضال الثوري وإنهاء النظام الطاغوتي، إلى درجة أنّ تلامذته ومستمعيه كانوا يصلون إلى قناعةٍ بضرورة إقامة حكومة تقوم على التعاليم الإسلامية في البلاد.
ومن الأهداف المهمّة لهذه الدروس أيضًا إيصال مبادئ وأفكار الثورة الإسلامية إلى المجتمع. وفي عام 1968م، بدأ بإقامة دروس تفسير عالية المستوى للعلماء وطلبة العلوم الدينية، واستمرّت هذه الدروس حتى عام 1987م، غير أنّها توقّفت لفترةٍ مؤقّتة بسبب اعتقاله ونفيه إلى إيرانشهر.
وقد استمرّت دروسه في التفسير حتى بعد انتهاء فترة رئاسته للجمهورية.
في عام 1990م، بدأ علی خامنئی بتدريس «درس الخارج»، ومنذ ذلك الحين واصل إلقاء الدروس الفقهية في موضوعاتٍ متعدّدة، من بينها الجهاد، والقصاص، و«المكاسب»، وصلاة المسافر.
يتمتّع علی خامنئی بمعرفةٍ واسعةٍ بالشعر والأدب، وقد كان دائم الاهتمام بقراءة الروايات والأدب القصصي. وقد اطّلع على عددٍ كبير من الروايات العالمية والأعمال الأدبية المشهورة. وما يزال شغفه بقراءة الروايات، وآثار كبار الأدباء، ودراسة تاريخ وثقافات الشعوب الشرقية والغربية مستمرًّا إلى اليوم.
كما كانت له علاقة وثيقة بالنقد الأدبي والشعر، وكانت تربطه صلاتٌ قريبة بعددٍ من الشعراء والأدباء والمفكّرين. وخلال إقامته في مشهد ، كان يشارك في الندوات الأدبية التي يحضرها كبار الشعراء، وكان يقدّم فيها ملاحظاتٍ ونقاشاتٍ نقدية حول الشعر والأدب.
وقد نظم علی خامنئی أولى قصائده عام 1955م أو 1956م، وفي السنوات الأخيرة استخدم تخلّص «أمين». ولمدّةٍ طويلة، كان يحتفظ بدفترين؛ يدوّن في أحدهما الغزليات المختارة، وفي الآخر الأبيات الشعرية الجميلة. كما شكّلت مطالعة الكتب التاريخية جزءًا مهمًّا من نشاطه العلمي والفكري، وله إلمامٌ واسع بمختلف قضايا وبحوث التاريخ المعاصر.
كان جدّ علی خامنئی من جهة الأمّ عالمًا فاضلًا ومتقنًا للغة العربية. كما أنّ والدته نشأت قبل سنّ البلوغ في نجف داخل أسرةٍ كانت تتحدّث باللغة العربية، ولذلك كانت تُجيد اللهجة العربية الدارجة في النجف إجادةً تامّة.
وقد كان لدى علی خامنئی أيضًا اهتمامٌ استثنائي باللغة العربية. وفي هذا السياق يقول:
«كان الزائرون العراقيون يأتون إلى مشهد للزيارة، وكانوا يجتمعون في صحن الإمام الرضا وينشدون الأشعار والقصائد. وكنتُ أقف هناك ساعاتٍ طويلة، أستمع إلى كلامهم بكلّ اهتمامٍ وتركيز، وأتأمّل في كلماتهم.»
وخلال أسفاره إلى العراق، كان يحرص على التحدّث باللغة العربية فقط، ولذلك كان يبحث دائمًا عن أماكن لا يتحدّث أهلها بالفارسية.
ويقول:
«كنتُ أذهب من الكاظمية إلى بغداد فقط لكي أتحدّث بالعربية.»
بلغ علی خامنئی مرتبةً عاليةً في إتقان الأدب العربي، وكان مولعًا بشكلٍ خاص بكتاب «مغني اللبيب» في علم النحو، وكتاب «المطوّل» في علم البلاغة، حتى إنّ «المطوّل» كان من أحبّ الدروس إليه. وفي وصفه لذلك يقول:
«كنتُ أعيش مع موضوعات هذا القسم، وكانت روحي تمتلئ به. وحتى اليوم أحيانًا أُردّد بعض أبياته.»
وقد درس الموسوعات العربية الكبرى في مجال التاريخ وتاريخ الأدب، وكان يكتب ملاحظاته وانطباعاته على أغلفة الكتب من الخلف.
ومع ذلك، فإنّ الأدب العربي الحديث لم يستطع — بصورةٍ عامّة — أن يجذب اهتمامه بالكامل. وفي هذا الصدد يقول:
«وجدتُ في بعض أجزائه أمورًا تتنافى مع الذوق العربي واللغة العربية. ولا سيّما ذلك الأسلوب المتأثّر بطريقة ومضمون الأدب الأوروبي، فهو ليس أدبًا عربيًّا ولا أوروبيًّا، بل صورةٌ مشوّهة يرفضها كلّ صاحب فطرةٍ سليمة وذوقٍ نقي.»
ويضيف أيضًا:
«لقد قرأتُ آثار الأدباء والشعراء المعاصرين من مصر وسوريا والعراق، لكنّني وجدتُ ما كنتُ أبحث عنه في شعر الشاعر العراقي محمدمهدی جواهری.»
ارتبط علی خامنئی بالقرآن الكريم ارتباطًا عميقًا منذ طفولته المبكرة. وبعد أن استمع في صغره إلى تلاوة والدته للقرآن، عهد به والده — وهو لا يزال في المرحلة الابتدائية — إلى الحاج رمضان بنكدار، أحد أشهر قرّاء مشهد وقد تقدّم بسرعةٍ كبيرة في تعلّم التلاوة، حتى قال له أستاذه في النهاية:
«لم يعد لديّ شيءٌ جديد أعلّمك إيّاه.»
بعد ذلك، أصبح تلميذًا للملا عباس، الذي كان يُعدّ أكبر قارئٍ في مشهد، وكان من تلامذة السيد محمد عرب الزعفراني، المعروف بأنّه مؤسّس علم القراءات في مشهد.
وفي تلك السنوات الدراسية الأولى، وعندما زار آية الله كاشاني مدينة مشهد، كان الشابّ علی خامنئی هو الذي تلا القرآن الكريم في مراسم الاستقبال.
وفي سنة 1327 هـ.ش (1948–1949م)، وكان عمره آنذاك تسع سنوات فقط، تلا القرآن الكريم أيضًا في مراسم استقبال آية الله نور الدين في مرقد خواجة أبي الصلت بمدينة مشهد.
-->
يقول علی خامنئی في مذكّراته:
«كنّا نستمع إلى إذاعة “صوت العرب” لنستمع إلى أصوات القرّاء. وما زلت أحتفظ إلى اليوم بمصحفٍ كتبتُ في آخره: “اليوم تلا مصطفى إسماعيل”، و“اليوم تلا علي البنّا”. كنّا نلتقط إذاعة القاهرة بصعوبةٍ كبيرة. وكان أحد معارفنا قد سافر إلى مصر وجلب معه شريطين أو ثلاثة أشرطة تسجيل.»
ومن خلال هذا الاستماع المتواصل، تعرّف أيضًا على صوت القارئ راغب مصطفى. وخلال عامي 1346 أو 1347 هـ.ش (1967–1968م)، وأثناء إقامته في مشهد ، كان يبحث عبر الإذاعات العربية — ولا سيّما إذاعة مصر — عن تلاوات الشيخ مصطفى إسماعيل.
ومع مرور الوقت، أصبحت تسجيلات التلاوات القرآنية متوفّرة لدى السيد علی خامنئی وأصدقائه، وتعرّفوا تدريجيًّا على قرّاء جدد أيضًا.
لقد نُشرت العديد من آراء وأفكار علی خامنئی في قالب خطبٍ ورسائل ومقابلات، تحت عناوين مختلفة، على شكل كتبٍ وبرامج إلكترونية. كما تُرجمت بعض آثاره إلى لغاتٍ متعدّدة. كذلك، نُشرت رسائل جامعية وأطروحات ومقالات وكتب كثيرة تناولت أفكاره ومبانيه الفكرية. وقد جُمعت مجموعةٌ من خطاباته وآثاره المكتوبة خلال فترة قيادته في سلسلةٍ بعنوان «حديث الولاية».
لقد هيّأت الأنشطة السياسية والدينية الموجودة في أسرة آية الله الخامنئي له أرضيةً مناسبة للانخراط في النشاط السياسي والديني في مراحل لاحقة من حياته. وقد بدأت مسيرته في الكفاح السياسي عندما التقى، وهو طالب شاب في مدينة مشهد، بالثائر الإسلامي المعروف السيد مجتبى نواب صفوي (ميرلوحي). وكما يذكر هو نفسه، فإن هذا اللقاء أشعل في داخله أول شرارة للثورة.
وكان أول لقاء له بالإمام روح الله خمینی في عام 1957-1958، وخلال الأحداث المرتبطة بالمصادقة على مشروع قانون الجمعيات الولائية والإقليمية، تعرّف على البعد السياسي لشخصية الإمام الخميني.
دخل آية الله الخامنئي عام 1963 ميادين النضال المختلفة ضدّ الطاغوت، وكان من أوائل الشخصيات التي بدأت نشاطها الثوري حتى قبل انتفاضة الخامس من يونيو 1963 (15 خرداد 1342هـ ش).
وفي فبراير عام 1963، وبعد الاستفتاء المتعلق بمشروع قانون الجمعيات الولائية والإقليمية، أُوكلت إلى آية الله الخامنئي وشقيقه السيد محمد مهمة إيصال تقرير آية الله محمد هادي الميلاني إلى الإمام روح الخمینی وكان هذا التقرير يتناول ردود فعل أهالي مشهد تجاه ذلك الاستفتاء المعارض له.
في عام 1963، ومع اقتراب شهر محرّم، كلّف الإمام روح الله خمینی آية الله الخامنئي بمهمة إيصال الرسائل إلى آية الله الميلاني، والعلماء، وطلبة العلوم الدينية، والأوساط الدينية في خراسان، بهدف استمرار النهضة وتوعية الناس تجاه الدعاية التي كان يروّج لها نظام بهلوي.
وقد تضمّنت هذه الرسائل عدداً من التوجيهات المهمة؛ إذ طالب الإمام الخميني العلماء والخطباء بأن يبيّنوا، ابتداءً من اليوم السابع من محرّم، أحداث المجزرة التي وقعت في مدرسة فيضية، لكي تُكشف جرائم نظام بهلوي أمام الرأي العام.
توجّه آية الله الخامنئي بنفسه إلى مدينة بيرجند من أجل تنفيذ أهداف وتعليمات الإمام روح الله خمینی وكانت هذه المدينة آنذاك مركزاً لتأثير الشخصيات الواعية والمثقفة.
وفي المجالس والمنابر التي أُقيمت هناك، ألقى كلمات حول مجزرة مدرسة فيضية وهيمنة إسرائيل على المجتمعات الإسلامية.
ونتيجة لهذه الخطب، تم اعتقاله في مدينة مشهد بتاريخ 2 يونيو 1963، الموافق للسابع من شهر محرّم. وبعد الإفراج عنه، حضر آية الله محمد هادي الميلاني لزيارته والاطمئنان عليه.
واصل آية الله الخامنئي نشاطه السياسي في الاجتماعات التي كانت تُعقد في منزل آية الله الميلاني، بهدف استمرار النهضة الإسلامية في فترة غياب الإمام روح الله خمینی أثناء خضوعه للإقامة الجبرية.
وبعد مدة قصيرة عاد إلى الحوزة العلمية في قم، ونظّم الأنشطة السياسية بالتعاون مع عدد من الناشطين الثوريين، وكانت هذه الأنشطة تُقام على شكل اجتماعات مختلفة وحملات جماهيرية.
كما كان من بين العلماء الذين أرسلوا برقية دعم وتأييد لكلٍّ من آية الله السيد محمود طالقاني، ومهدي بازرگان، ويد الله سحابي، الذين اعتُقلوا بسبب دعمهم للإمام الخميني.
رسالة إلى رئيس الوزراء
وفي تلك الفترة، وبإشراف آية الله الخامنئي، قام علماء خراسان في الحوزة العلمية بقم بكتابة رسالة إلى رئيس الوزراء آنذاك حسن علي منصور، أعلنوا فيها معارضتهم لاعتقال الإمام روح الله خمینی
وكان من بين الموقّعين على هذه الرسالة آية الله الخامنئي نفسه، وأبو القاسم الخزعلي، ومحمد آبائي الخراساني.
في يناير عام 1964، والذي صادف أيام شهر رمضان المبارك، توجّه السيد علي الخامنئي إلى مدينة زاهدان في محافظة سيستان وبلوشستان، بهدف التبليغ وشرح مبادئ النهضة الإسلامية.
وقد أدّت خطاباته في مساجد زاهدان والاستقبال الشعبي الواسع الذي حظي به إلى قيام السلطات باعتقاله مرة أخرى. ثم نُقل إلى سجن قزل قلعة، الذي كان مخصّصاً آنذاك للسجناء السياسيين.
وفي 4 مارس 1964 أُفرج عنه بشرط عدم مغادرته مدينة طهران. ومنذ ذلك الوقت وحتى انتصار الثورة الإسلامية، بقيت نشاطاته تحت المراقبة المستمرة من قبل عناصر الأجهزة الأمنية.
في خريف عام 1964 عاد آية الله الخامنئي من قم إلى مشهد، حيث واصل إلى جانب رعاية والده والمشاركة في خدمته، نشاطاته العلمية والسياسية بشكل واسع.
وكان من بين العلماء الذين وجّهوا، في 8 فبراير 1965، رسالة إلى الحكومة المؤقتة آنذاك برئاسة أمير عباس هويدا، احتجّوا فيها على الأوضاع المتدهورة في البلاد وعلى نفي الإمام روح الله خمینی
وقد كان السيد علي الخامنئي، وعبد الرحيم رباني الشيرازي، وعلي فيض المشكيني، وإبراهيم أميني، ومهدي الحائري الطهراني، وحسين علي منتظري، وأحمد الآذري القمي، وعلي القدوسي، وأكبر هاشمي رفسنجاني، والسيد محمد الخامنئي، ومحمد تقي مصباح اليزدي، أعضاء في مجموعة مؤلفة من أحد عشر شخصاً، تشكّلت بهدف تقوية وإصلاح الحوزة العلمية في قم وتنظيم النضال ضد نظام بهلوي.
كان هذا النضال قائماً على أساس الفكر والعقيدة، ولذلك أخذ يتّسع تدريجياً، وكان العلماء يتولّون القيادة الفكرية لهذه الحركة.
وفي هذه المرحلة، توصّل أفراد الحركة إلى قناعة مفادها أنّ النجاح لا يمكن أن يتحقق من دون تنظيم، وأن وجود تنظيم منسّق هو الكفيل بحماية الحركة من قمع النظام واستبداده.
وخلال فترة نفي الإمام روح الله خمینی، قامت هذه المجموعة بوضع خطط منظّمة لمواصلة الأنشطة الثورية، وكانت تُعدّ من أوائل التنظيمات السرّية في الحوزة العلمية بقم.
لكن في أواخر عام 1966، تمكّنت منظمة السافاك من اكتشاف نشاطات هذه المجموعة، فاعتُقل بعض أعضائها، بينما وُضع آخرون — ومن بينهم آية الله الخامنئي — تحت المراقبة والمتابعة من قبل السافاك.
وبالتوازي مع ذلك، تأسست هيئة عُرفت باسم «جامعة المدرّسين في الحوزة العلمية بقم».
وقد بعثت هذه الاجتماعات والقرارات الصادرة عنها روحاً جديدة في أجواء الحوزة العلمية بقم. ولم يكن تنفيذ تلك القرارات مقتصراً على أعضاء الجمعية فقط، بل شارك فيها أيضاً علماء شباب متحمّسون وذوو كفاءة عالية، كانوا ناشطين في مسار النضال.
وقد أسهمت هذه النشاطات في إخراج مدينة قم من أجوائها المحدودة والجامدة، وأدّت إلى تنشيط الحركة الفكرية والثورية فيها.
وفي تلك الفترة، شارك آية الله الخامنئي بصورة سرّية في ترجمة ونشر كتاب بعنوان «المستقبل في الأراضي الإسلامية».
وقد تناول هذا الكتاب قضيتين أساسيتين، هما: الضغوط الغربية والدعاية الشيوعية، كما قدّم تصوراً شاملاً لمستقبل العالم الإسلامي.
بعد اعتقال السيد حسن القمي عام 1967م بسبب إلقائه خطابًا ضد النظام في مسجد كوهرشاد، شجّع آية الله السيد علي الخامنئي آية الله الميلاني على الاحتجاج على هذا الاعتقال. وفيما بعد، قامت منظمة السافاك باعتقاله في مدينة مشهد أثناء مراسم تشييع آية الله الشيخ مجتبى القزويني. وبعد الإفراج عنه، واصل لقاءاته مع السجناء السياسيين، واستمر في جهوده لتعزيز الأنشطة الثورية.
ومن خلال علاقاته الوثيقة مع الناشطين والمناضلين في مختلف أنحاء إيران، أسهم آية الله السيد علي الخامنئي في تنظيم المقاومة، وإعداد الكوادر الشابة الثورية، ونشر الفكر الإسلامي المستند إلى القرآن الكريم، والحديث الشريف، ونهضة الإمام الخميني (قدس سره). كما عارض الأيديولوجيات الماركسية والليبرالية والمادية، وواصل توسيع شبكة النضال الثوري رغم الضغوط والملاحقات التي فرضها نظام الشاه.
بعد الزلزال الذي ضرب جنوب خراسان عام 1968م، قاد آية الله السيد علي الخامنئي مجموعةً من رجال الدين إلى مدينة فردوس لتقديم المساعدة للمتضررين وتنظيم أعمال الإغاثة. وخلال إقامته هناك لمدة شهرين، أقام علاقات وثيقة مع أهالي المنطقة، وعمل من خلال المجالس واللقاءات الدينية على نشر رسالة النهضة الإسلامية وتعزيز الوعي الثوري بين الناس.
وقد أثارت هذه الأنشطة قلق جهاز السافاك، مما أدى في نهاية المطاف إلى اضطرار آية الله الخامنئي إلى مغادرة مدينة فردوس.
وفي وقت لاحق، حاول السفر إلى العراق للقاء الإمام الخميني (قدس سره) في مدينة النجف، إلا أن جهاز السافاك حال دون ذلك، كما مُنع من مغادرة البلاد حتى انتصار الثورة الإسلامية.
حُكم على علي الخامنئي بالسجن لمدة ستة أشهر بسبب مشاركته في «اجتماع الأحد عشر». وبعد نشر الحكم في صحيفة «كيهان»، امتنع، بعد التشاور مع علماء مدينة مشهد، عن المثول أمام محكمة الاستئناف.
ورغم الضغوط التي مارسها نظام الشاه، واصل علاقاته الوثيقة مع كبار علماء الثورة، ومن بينهم محمود طالقاني، ومحمد رضا سعيدي، ومحمد جواد باهنر، ومحمد رضا مهدوي كني، ومرتضى مطهري، وأكبر هاشمي رفسنجاني، وفضل الله محلاتي.
وعلى الرغم من أن مركز نشاطه الرئيس كان في مدينة مشهد، فإنه كان يشارك بفاعلية في الاجتماعات الثورية التي كانت تُعقد في طهران، حيث كانت تُوضع الخطط لإيفاد رجال الدين إلى القرى المحيطة بمدينة مشهد. وقد ركّز جهوده على تعزيز النهضة الإسلامية من خلال الأنشطة الثقافية والفكرية، بما في ذلك إقامة دروس في تفسير القرآن الكريم، وإلقاء المحاضرات، وتنظيم اللقاءات العامة بهدف رفع مستوى الوعي الديني لدى الناس. وكان آية الله الخامنئي يرى أن تحقيق الأهداف الإسلامية لا يكون إلا من خلال النهضة الفكرية والثقافية.
وفي عام 1969م، عقد أيضًا لقاءات مع المثقفين والناشطين الإسلاميين بهدف مواجهة تزايد نفوذ التيارات السياسية ذات التوجه الماركسي داخل الجامعات.
أقام علي الخامنئي علاقات وثيقة مع العديد من المثقفين والمراكز الإسلامية والثورية البارزة، وكان يتعاون معها بصورة فاعلة. وكان يُدعى لإلقاء المحاضرات حول النضال الإسلامي في أهم المراكز الدينية والسياسية في طهران، ومن بينها حسينية الإرشاد ومسجد الجواد.
وقد تركت محاضراته في حسينية الإرشاد، التي ألقاها أواخر عام 1969م بدعوة من الشهيد مرتضى مطهري، وكذلك محاضراته في مسجد الجواد التي كانت تُنظمها الجمعية الإسلامية للمهندسين، أثرًا عميقًا في تنمية الوعي السياسي والديني لدى جيل الشباب، ولا سيما طلاب الجامعات وطلاب المدارس الثانوية.
في ربيع عام 1970م، عقد علي الخامنئي سلسلةً من الاجتماعات بهدف تعزيز الأسس الفكرية والأيديولوجية للنهضة الإسلامية في مواجهة نظام الشاه. وخلال هذه اللقاءات، كانت تُطرح للنقاش موضوعات تتعلق باستراتيجيات النضال المستندة إلى الرؤية الكونية والأيديولوجية الإسلامية.
وشارك في هذه الاجتماعات عدد من الشخصيات البارزة، منهم مرتضى مطهري، ومحمود طالقاني، ومهدي بازرغان، وأكبر هاشمي رفسنجاني، ويد الله سحابي، وعباس شيباني، وكاظم سامي. وقد أسهمت هذه الحوارات بدور مهم في توضيح وتطوير المفاهيم المرتبطة بالأيديولوجية الإسلامية والرؤية الكونية الإسلامية.
بعد وفاة آية الله محسن الحكيم عام 1970م، أصبحت مسألة اختيار المرجع الديني الأعلى من أبرز القضايا التي شغلت المجتمع. وقد أشاد علي الخامنئي بالمكانة العلمية الرفيعة لآية الله الحكيم، كما بذل جهودًا حثيثة للتعريف بالإمام روح الله الخميني بوصفه المرجع الأعلى للتقليد.
وبعد استشهاد محمد رضا سعيدي على يد جهاز السافاك في خرداد 1349 هـ.ش (يونيو 1970م)، سعى آية الله الخامنئي إلى توجيه مشاعر الغضب والحزن الشعبي نحو دعم الإمام الخميني (قدس سره) ومناهضة نظام الشاه.
وقد أسهمت جهوده في دفع طلاب العلوم الدينية ورجال الدين إلى توزيع بيانات تنتقد جهاز السافاك وتؤيد النهضة الإسلامية. ونتيجة لذلك، قامت قوات السافاك باعتقاله في مدينة مشهد، ثم أودعته في مهر 1349 هـ.ش (أكتوبر 1970م) سجن معسكر خراسان.
پس از آزادی، ایشان فعالیتهای انقلابی خود را ادامه دادند. در محرم همان سال، با وجود ممنوعیت ساواک برای سخنرانی عمومی، در هیئت انصارالحسین تهران به ایراد سخنرانی پرداختند. همچنین در سال ۱۳۵۰، به دعوت آیتالله طالقانی، در مسجد هدایت تهران ـ که کانون توجه دانشجویان و جوانان بود ـ جلسات سخنرانی برگزار کردند.
بعد أن أصدر الإمام الخميني (قدس سره) فتوى تُدين الاحتفالات بمرور 2500 عام على الملكية الإيرانية، التي نظمها نظام الشاه، واعتبرها محرّمة، فرض جهاز السافاك قيودًا مشددة وضغوطًا واسعة على أنشطة رجال الدين الثوريين. ونتيجة لذلك، استُدعي علي الخامنئي في مرداد 1350 هـ.ش (أغسطس 1971م) إلى مكتب السافاك في مدينة مشهد، واحتُجز لفترة في سجن معسكر خراسان.
وبعد الإفراج عنه، واصل نشاطه الثوري، إلا أنه اعتُقل مرتين أخريين خلال العام نفسه. فقد وقع الاعتقال الأول في آبان 1350 هـ.ش (نوفمبر 1971م)، وأسفر عن سجنه لفترة قصيرة في سجن معسكر خراسان.
أما الاعتقال الثاني، فقد جرى في 21 آذر 1350 هـ.ش (12 ديسمبر 1971م)، حيث وُجهت إليه تهمة القيام بأعمال ضد أمن الدولة، وحُكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة أشهر.
بعد الإفراج عنه، واصل علي الخامنئي نشاطه الاجتماعي والسياسي، وكان يشارك بصورة منتظمة في الاجتماعات التي كانت تُعقد في هيئة أنصار الحسين ومسجد نارمك في طهران، حيث كان يُلقي محاضرات حول القضايا الدينية والسياسية. وإلى جانب ذلك، استمر في تدريس تفسير القرآن الكريم في مدرسة ميرزا جعفر، ومسجد الإمام الحسن (ع)، ومسجد القبلة، وكذلك في منزله بمدينة مشهد.
وكان يحضر هذه الدروس طلاب الجامعات، وطلاب المدارس الثانوية، وطلبة العلوم الدينية، إلى جانب مختلف فئات المجتمع. وخلال هذه اللقاءات، كان يعرّف الحاضرين بمبادئ الإسلام الثوري والفكر السياسي الإسلامي.
وقد أصبح كثير من المشاركين وتلامذته الذين حضروا هذه الدروس فيما بعد من العناصر الفاعلة في نشر الوعي العام، وأسهموا بدور بارز في مختلف أنحاء البلاد خلال المرحلة التي بلغت فيها النهضة الإسلامية ذروة نشاطها.
أعدّ جهاز السافاك العديد من التقارير حول محاضرات آية الله السيد علي الخامنئي ودروسه العلمية. ووفقًا لتقييم السافاك، كان آية الله الخامنئي يُعدّ من أبرز الأساتذة المستنيرين والثوريين في الحوزات العلمية.
وكان جهاز السافاك يرى أن هذه الشخصيات تسعى إلى رفع مستوى الوعي السياسي والاجتماعي لدى طلبة العلوم الدينية ورجال الدين، وفي الوقت نفسه تعمل على إقامة علاقات وثيقة مع طلاب الجامعات والشباب، بما يسهم في نشر الفكر الإسلامي الثوري وتعزيز الوعي العام.
في فروردين 1352 هـ.ش (أبريل 1973م)، سافر علي الخامنئي إلى مدينة نيشابور بهدف نشر الفكر الثوري. وهناك تولّى تدريس أصول الفقه في مساجد المدينة، وكانت دروسه تُعقد مرة واحدة أسبوعيًا كل يوم خميس.
وفي خرداد 1352 هـ.ش (يونيو 1973م)، منع جهاز السافاك استمرار دروسه في تفسير القرآن الكريم التي كان يعقدها في مسجد الإمام الحسن (ع) وفي منزله.
وفي آذر 1352 هـ.ش (ديسمبر 1973م)، نقل آية الله الخامنئي نشاطه إلى مسجد الكرامة، حيث تولّى إمامة الجماعة بدعوة من مؤسس المسجد، وواصل إقامة دروس تفسير القرآن الكريم. وقد حوّل هذا المسجد إلى مركز لنشاط الطلاب الجامعيين وطلبة العلوم الدينية الشباب.
وردًّا على اتساع نشاطه السياسي، أصدر جهاز السافاك في مدينة مشهد قرارًا بمنع آية الله الخامنئي من إمامة الجماعة في مسجد الكرامة.
في آبان 1353 هـ.ش (نوفمبر 1974م)، ألقى علي الخامنئي محاضرات في مسجد جاويد بطهران بدعوة من محمد مفتح، إمام جماعة المسجد، الذي كان قد مُنع آنذاك من إلقاء الخطب والمحاضرات. وعلى إثر هذه الأنشطة، اعتقل جهاز السافاك آية الله محمد مفتح، وأغلق مسجد جاويد الذي كان قد أصبح أحد أهم مراكز النشاط الثوري.
وفي آذر من العام نفسه (ديسمبر 1974م)، قام جهاز السافاك بتفتيش منزل آية الله الخامنئي. ووفقًا لتقارير السافاك، جاء هذا التفتيش بسبب ما طرحه في أحد الاجتماعات الخاصة حول ضرورة إنشاء تنظيم يضمن استمرار مسيرة النضال، والاستفادة من الفرص المتاحة لدعم أهداف النهضة الإسلامية في مدينة مشهد.
وفي النهاية، اعتُقل آية الله الخامنئي للمرة السادسة في دي 1353 هـ.ش (يناير 1975م)، ونُقل في هذه المرة إلى سجن مكافحة التخريب في طهران. وقد صرّح آية الله الخامنئي لاحقًا بأن هذه المرحلة كانت من أصعب الفترات التي عاشها في السجن، إذ حُرم من التواصل مع الآخرين، كما أن أفراد أسرته لم يكونوا يعلمون مكان احتجازه.
أُفرج عن علي الخامنئي في 2 شهريور 1354 هـ.ش (24 أغسطس 1975م)، إلا أنه ظل خاضعًا لمراقبة مشددة من قبل أجهزة الأمن. وقد مُنع من إقامة صلاة الجماعة، وإلقاء المحاضرات، والتدريس، وعقد دروس تفسير القرآن الكريم، حتى داخل منزله.
ورغم هذه القيود السياسية والأمنية، واصل بصورة سرية إقامة دروس التفسير وممارسة أنشطته الفكرية والثورية. كما استمر في متابعة توزيع المساعدات المالية التي كان الإمام الخميني (قدس سره) يقدّمها إلى رجال الدين، محافظًا بذلك على صلاته بالحركة الإسلامية ودعمه المستمر لنشاطاتها.
في أواخر عام 1354 هـ.ش (1976م)، نشر علي الخامنئي كتاب «الفكر الإسلامي في القرآن» بصورة سرية، مستخدمًا الاسم المستعار «السيد علي الحسيني».
كما أنه، بعد وقوع الفيضانات في مدينة قوچان، شكّل فريقًا للإغاثة في مدرسة أوزينه، بهدف تقديم المساعدة للمتضررين وتوفير الخدمات الإنسانية للمصابين.
تُظهر وثائق جهاز السافاك أن هناك تقارير عن نشاطات علي الخامنئي ووالده خلال أواخر عام 1355 هـ.ش (1976–1977م)، والتي تشير إلى أنهما كانا يؤيدان الإمام روح الله الخميني ويسهمان بفاعلية في نشر النهضة الإسلامية.
وخلال شهر محرّم سنة 1396 هـ، الموافق لشهر دي 1355 هـ.ش، ألقى آية الله الخامنئي عدة محاضرات انتقد فيها نظام الشاه. كما كان يعقد لقاءات مع طلاب الجامعات والشباب لمناقشة الأوضاع الفكرية والثقافية في المجتمع، وشارك بفاعلية في اجتماعات العلماء وطلبة العلوم الدينية التي كانت تُعقد في مدينة طهران.
بعد وفاة الدكتور علي شريعتي في لندن بتاريخ 29 خرداد 1356 هـ.ش (20 يونيو 1977م)، شارك آية الله السيد علي الخامنئي في مراسم تأبينه، إذ كانت تربطه به وبوالده علاقة معرفة وصداقة منذ سنوات شبابه في مدينة مشهد.
بعد استشهاد آية الله السيد مصطفى الخميني، النجل الأكبر للإمام روح الله الخميني، في مدينة النجف بتاريخ 1 آبان 1356 هـ.ش (23 أكتوبر 1977م)، شارك علي الخامنئي مع عدد من الناشطين الثوريين في إقامة مجلس تأبيني بمسجد ملا هاشم في السادس من آبان.
كما أرسل، برفقة عدد من علماء مدينة مشهد، برقية تعزية إلى الإمام الخميني في النجف، معربين فيها عن مواساتهم بهذا المصاب الجلل.
وقد عُدَّ استشهاد آية الله السيد مصطفى الخميني، وما تلاه من أحداث، بداية المرحلة الأخيرة من النهضة الإسلامية، وهي المرحلة التي شهدت اتساع النشاط الثوري وازدياد التأييد الشعبي للثورة الإسلامية.
ردًّا على هذه الأنشطة، فرض نظام الشاه، رغم ادعاءاته السابقة بوجود انفتاح سياسي في البلاد، قيودًا مشددة على الأنشطة السياسية. وفي إطار هذه السياسة، نُفي عدد من أبرز الناشطين، وكان علي الخامنئي من بينهم.
وأصدرت لجنة الأمن الاجتماعي في محافظة خراسان قرارًا يقضي بنفيه لمدة ثلاث سنوات إلى مدينة إيرانشهر الواقعة في محافظة سيستان وبلوشستان. وفي 23 آذر 1356 هـ.ش (14 ديسمبر 1977م)، داهم عناصر جهاز السافاك منزله، واعتقلوه، ثم نقلوه إلى إيرانشهر لتنفيذ قرار النفي.
وكان الهدف من هذا الإجراء قطع صلته بالجماهير والناشطين الثوريين، ومنعه من مواصلة أنشطته وخطبه المناهضة لنظام الشاه.
ومع ذلك، استطاع علي الخامنئي، من خلال تعامله الإيجابي مع أبناء المجتمع السني في قرية اشتهار، أن يحظى بمكانة ومحبة كبيرتين بين أهالي مدينة إيرانشهر. وقد استثمر هذه الفرصة لإيصال رسالة الثورة الإسلامية إلى سكان بعضٍ من أبعد المناطق وأكثرها عزلة في البلاد.
كما أن محاضراته في مسجد آل الرسول بمدينة إيرانشهر، إلى جانب الزيارات المتكررة التي كان يقوم بها العلماء وطلبة العلوم الدينية والناشطون الثوريون ومختلف فئات المجتمع إلى منزله، دفعت أجهزة الأمن إلى فرض قيود أشد على أنشطته، والعمل على منع الناس من زيارته والالتقاء به.
بعد المجزرة التي ارتكبتها قوات الأمن التابعة لنظام الشاه بحق أهالي مدينة يزد في 19 فروردين 1357 هـ.ش (8 أبريل 1978م)، وجّه علي الخامنئي رسالة إلى آية الله محمد صدوقي، إمام جماعة مدينة يزد، أدان فيها هذا العمل الوحشي، ودعا الشعب إلى مواصلة النضال، كما حيّا ذكرى شهداء هذه الحادثة.
وقد نُشرت هذه الرسالة لاحقًا على شكل بيان في مختلف أنحاء البلاد، وأصبحت واحدةً من أبرز البيانات التي أسهمت في دعم النهضة الإسلامية وتعزيز مسيرتها الثورية.
عندما تعرضت مدينة إيرانشهر لفيضانات في 11 تير 1357 هـ.ش (2 يوليو 1978م)، تولّى علي الخامنئي، مستفيدًا من خبرته السابقة في تنظيم عمليات الإغاثة والإنقاذ، قيادة الفريق الإغاثي الوحيد الذي كان يعمل في المدينة. وبالتعاون مع علماء الدين في عدد من المدن، ومنها يزد ومشهد، تمكّن من جمع المساعدات الشعبية والخيرية وتوزيعها على المتضررين من الفيضانات.
وخلال فترة نفيه، حافظ آية الله الخامنئي على علاقات وثيقة مع كبار الناشطين والعلماء في مختلف مناطق إيران. وكان يراسلهم بانتظام بشأن تطورات النهضة الإسلامية، الأمر الذي مكّنه من متابعة الأحداث والمستجدات المهمة. كما أسهم، من خلال هذه المراسلات، في المشاورات والقرارات الجماعية التي كان يتخذها العلماء.
مع تصاعد الثورة الإسلامية في تير 1357 هـ.ش (يوليو 1978م)، عارض عدد من علماء الحوزة العلمية في مشهد استمرار نفي علي الخامنئي، وطالبوا بعودته. ونظرًا لتزايد نفوذه واتساع نشاطه الثوري في إيرانشهر، قررت أجهزة الأمن في 22 مرداد 1357 هـ.ش (13 أغسطس 1978م) نقل مكان نفيه إلى مدينة جيرفت في محافظة كرمان.
ورغم القيود الأكثر صرامة التي فُرضت عليه في جيرفت، واصل آية الله الخامنئي إلقاء الخطب المناهضة لنظام الشاه في المسجد الجامع بالمدينة. وقد أدت إحدى محاضراته في شهريور 1357 هـ.ش (سبتمبر 1978م) إلى اندلاع مظاهرات شعبية رُفعت خلالها الشعارات الثورية.
كما شارك، مع عدد من علماء الدين، في توجيه رسالة إلى آية الله عبد الحسين دستغيب، أكدوا فيها ضرورة مواصلة النهضة الإسلامية وإدانة الجرائم التي ارتكبها نظام الشاه.
وفي وقت لاحق، سافر آية الله الخامنئي سرًّا إلى مدينة كهنوج، حيث واصل إلقاء محاضراته المناهضة للنظام.
مع تصاعد الثورة الإسلامية وفقدان نظام الشاه سيطرته على الحركة الشعبية المتنامية، عاد علي الخامنئي إلى مدينة مشهد في الأول من مهر 1357 هـ.ش (23 سبتمبر 1978م).
وهناك واصل تنظيم الأنشطة الثورية وتعزيز مسيرة النضال ضد نظام الشاه، وأسهم بدور فاعل في توسيع الحركة الثورية وحشد مختلف فئات المجتمع لدعم الثورة الإسلامية.
خلال فترة إقامة الإمام روح الله الخميني في فرنسا، بعث علي الخامنئي، برفقة عدد من علماء الدين الثوريين في مدينة مشهد، برقيةً إلى الإمام، أكدوا فيها أن وجوده في فرنسا كان مصدر أمل وصمود وإلهام للشعب الإيراني.
كما طلبوا من الإمام الخميني في هذه البرقية أن يوجّه الإرشادات اللازمة لمواصلة النضال ضد نظام الشاه، وأن يبيّن السبل الكفيلة بتهيئة الظروف المناسبة لعودته إلى إيران.
في فترة وجيزة، اتسعت الأنشطة الثورية التي كان يقودها علي الخامنئي في مدينة مشهد بصورة ملحوظة. فإلى جانب تنظيم المسيرات والمظاهرات الشعبية، كان يلقي خطبًا مناهضة لنظام الشاه، ويحافظ على صلات وثيقة بمكتب الإمام روح الله الخميني وبسائر الناشطين في الحركة الثورية.
ونتيجةً لهذه الاتصالات، أجرى السيد أحمد الخميني في 10 آبان 1357 هـ.ش (1 نوفمبر 1978م) اتصالًا هاتفيًا من باريس بآية الله محمد صدوقي، وأبلغه برغبة الإمام الخميني (قدس سره) في لقائه هو وآية الله السيد علي الخامنئي.
كان علي خامنئي من بين رجال الدين الذين ألقوا كلمات في ملعب سعد آباد بمدينة مشهد أمام الأوساط الثقافية، حيث دعوا إلى عودة روح الله الخميني وإقامة الحكومة الإسلامية.
وفي الأيام الأخيرة من شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1978، سافر برفقة عبد الكريم هاشمي نجاد إلى مدن قوچان وشيروان وبجنورد، وألقى هناك سلسلة من الخطب دعماً لمسيرة الثورة وتعزيزاً لأهدافها.
ونتيجة لتزايد نفوذه ونشاطه الثوري في مدينة مشهد، أقدمت الأجهزة الأمنية التابعة لنظام بهلوي على اعتقاله. وقد أشارت تقارير جهاز السافاك إلى آية الله خامنئي بوصفه أحد أبرز قادة الثورة في إقليم خراسان.
في يوم عاشوراء من عام 1357 هـ.ش (1978م)، ألقى علي الخامنئي خطبًا حماسية أمام حشود غفيرة من أبناء مدينة مشهد. وبصفته ممثلًا للإمام روح الله الخميني، تلا خطاب ليلة عاشوراء الصادر عنه. ومن خلال هذه المبادرة الثورية، أنهى تقليدًا فرضه نظام الشاه لسنوات طويلة، حيث كانت مراسم عاشوراء تُقام بصورة رسمية وتنتهي بالدعاء لمحمد رضا بهلوي.
كما تولّى تنظيم المسيرة العاشورائية الكبرى في مدينة مشهد، وألقى خلالها كلمة أمام المشاركين. وكان أيضًا من بين علماء الدين الذين اقترحوا تنظيم مظاهرة في مستشفى شاه رضا (مستشفى الإمام الرضا حاليًا) احتجاجًا على اعتداء قوات نظام الشاه على المستشفى.
ومع تحرك العلماء نحو مكان التظاهرة، انضم إليهم جمع غفير من المواطنين. وأصدر المتظاهرون بيانًا أدانوا فيه الجرائم التي ارتكبتها قوات نظام الشاه، وطالبوا بمحاكمة المسؤولين عنها، وإسقاط النظام الملكي، وعودة الإمام الخميني (قدس سره) إلى إيران.
وقد لقيت هذه التحركات صدىً واسعًا في مختلف أنحاء البلاد، وصدر العديد من البيانات التي أعلنت تأييدها ودعمها لهذه النهضة.
في 9 دي 1357 هـ.ش (30 ديسمبر 1978م)، قاد علي الخامنئي، برفقة عدد من علماء الدين الثوريين في مدينة مشهد، حشودًا كبيرة من المواطنين نحو مبنى محافظة خراسان، بهدف تشجيع المسؤولين والموظفين على الانضمام إلى الثورة الإسلامية. إلا أن قوات الشرطة المتمركزة داخل المبنى أطلقت النار على المتظاهرين، رغم أن التظاهرة كانت سلمية.
وعقب هذا الحادث، امتدت المظاهرات إلى شوارع المدينة، واندلعت اضطرابات أُضرمت خلالها النيران في عدد من المباني والمراكز الحكومية. وفي تلك الليلة، بذل علماء الدين في مشهد، ومن بينهم آية الله السيد علي الخامنئي، جهودًا كبيرة عبر الاجتماعات والمفاوضات لمنع استمرار إراقة الدماء.
إلا أن قوات نظام الشاه ارتكبت مجزرة دامية عُرفت لاحقًا باسم «الأحد الدامي» في 10 دي 1357 هـ.ش.
وبعد هذه الأحداث، أصدر آية الله الخامنئي مع عدد من علماء مشهد بيانًا أدانوا فيه هذه المجزرة، ودعوا الشعب إلى مواصلة مسيرة النهضة الإسلامية حتى تحقيق أهدافها.
مع تسارع انهيار نظام الشاه وظهور بوادر الانتصار النهائي للنهضة الإسلامية، أصدر الإمام روح الله الخميني في 22 دي 1357 هـ.ش (12 يناير 1979م) أمرًا بتشكيل مجلس الثورة الإسلامية. وقد عُيّن علي الخامنئي عضوًا في هذا المجلس، وغادر مدينة مشهد، التي كان له فيها دور بارز في مسيرة الثورة، متوجهًا إلى طهران في أواخر شهر دي 1357 هـ.ش.
وأقام في مدرسة رفاه، حيث شارك إلى جانب شخصيات ثورية بارزة، مثل محمد بهشتي، ومرتضى مطهري، ومحمد مفتح، في تنظيم المرحلة الأخيرة من الثورة الإسلامية، والإعداد لمستقبل البلاد.
وبعد تشكيل لجنة استقبال الإمام الخميني من قبل مجلس الثورة الإسلامية، تولّى آية الله السيد علي الخامنئي مسؤولية لجنة الإعلام والدعاية التابعة لهذه اللجنة، وأسهم بدور فاعل في تنظيم شؤون استقبال الإمام وإدارة الجوانب الإعلامية المتعلقة بعودته إلى إيران.
عندما أصدر شابور بختيار، رئيس الوزراء المعيَّن من قبل الشاه، قرارًا بإغلاق مطارات إيران لمنع عودة الإمام روح الله الخميني إلى البلاد، بادر علي الخامنئي، إلى جانب محمد بهشتي وعدد من كبار علماء الدين الثوريين، إلى تنظيم اعتصام واسع في مسجد جامعة طهران احتجاجًا على هذا القرار. ومع انضمام المزيد من العلماء، والأكاديميين، وعامة الشعب، اتسع نطاق هذا الاعتصام بصورة كبيرة.
وفي الليلة التي سبقت بدء الاعتصام، ألقى آية الله محمد بهشتي كلمة في مقبرة بهشت زهرا، بينما تلا آية الله السيد علي الخامنئي البيان الذي كان قد أعدّه بنفسه. وقد شكّل هذا التجمع تمهيدًا لاعتصام اليوم التالي في مسجد جامعة طهران.
وخلال هذا الاعتصام، قام آية الله الخامنئي وسائر العلماء بعدد من الأنشطة، من بينها إلقاء الخطب، وإصدار البيانات، ونشر مطبوعة حملت عنوان «الاعتصام»، وذلك لدعم عودة الإمام الخميني ومواصلة مسيرة الثورة الإسلامية.
أصدر المعتصمون بيانًا في 8 بهمن 1357 هـ.ش (28 يناير 1979م)، أعلنوا فيه أنهم سيواصلون اعتصامهم حتى إعادة فتح المطارات وتهيئة الظروف اللازمة لعودة الإمام روح الله الخميني إلى إيران. واستمر الاعتصام حتى صباح 12 بهمن، ليصبح مسجد جامعة طهران أحد أبرز مراكز النشاط الثوري في تلك المرحلة.
وفي اليوم التاريخي لعودة الإمام الخميني إلى إيران، الموافق 12 بهمن 1357 هـ.ش (1 فبراير 1979م)، توجّه علي الخامنئي، برفقة عدد كبير من علماء الدين والناشطين الثوريين، إلى مطار مهرآباد لاستقباله. كما بقي إلى جانب الإمام الخميني طوال الأيام العشرة التالية، مقدّمًا له المشورة والدعم في إدارة المرحلة الانتقالية.
وتولّى أيضًا مسؤولية إدارة لجنة الإعلام والدعاية التابعة للإمام الخميني، بهدف مواجهة الحملات الإعلامية التي كانت تشنها الجهات المعارضة في الداخل والخارج، إضافةً إلى الأحزاب الانتهازية والتيارات السياسية المختلفة. كما شارك في إصدار منشورات، من بينها مجلة «الإمام»، وكتب بنفسه عددًا من المقالات التي نُشرت فيها.
من المسؤوليات المبكرة التي اضطلع بها آية الله السيد علي الخامنئي في مرحلة تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عضويته في مجلس الثورة الإسلامية.
وقد شُكِّل هذا المجلس عندما هاجر الإمام روح الله الخميني إلى فرنسا في أكتوبر/تشرين الأول 1978م (مهر 1357 هـ.ش)، حيث كانت مؤشرات انتصار الثورة الإسلامية تزداد وضوحًا يومًا بعد يوم. وبأمر من الإمام الخميني أُنشئ هذا المجلس، وكان جميع أعضائه قد اختارهم الإمام بنفسه. إلا أنه، ولأسباب اقتضتها المصلحة، لم يُعلن رسميًا عن وجود المجلس إلا قبل أيام قليلة من انتصار الثورة الإسلامية، وذلك في 22 دي 1357 هـ.ش الموافق 12 يناير/كانون الثاني 1979م.
وضمّ المجلس في تشكيلته الأولى كلاً من الشهيد مرتضى مطهري، والشهيد محمد بهشتي، وآية الله عبد الكريم الموسوي الأردبيلي، وآية الله محمد رضا مهدوي كني، وآية الله السيد علي الخامنئي، والشهيد محمد جواد باهنر، وآية الله أكبر هاشمي رفسنجاني. ثم انضم إلى المجلس لاحقًا عدد من الشخصيات الثورية والوطنية البارزة الأخرى.
ومنذ الأيام الأخيرة من شهر دي سنة 1357 هـ.ش، بدأ آية الله السيد علي الخامنئي المشاركة في اجتماعات مجلس الثورة، وأسهم في مرحلة تأسيس النظام الجديد بعد انتصار الثورة الإسلامية.
بعد انتصار الثورة الإسلامية، تولّى مجلس الثورة الإسلامية مسؤوليات مهمة وواسعة، من أبرزها:
في 8 فروردين 1358 هـ.ش (29 مارس/آذار 1979)، كلّف الإمام روح الله الخميني آية الله السيد علي الخامنئي بزيارة سيستان وبلوشستان على رأس وفد رفيع المستوى، للاطلاع عن قرب على مطالب السكان ومشكلاتهم، وإعداد تقرير شامل عن الأوضاع العامة في المنطقة وتقديمه إليه.
وخلال هذه الزيارة، عقد آية الله السيد علي الخامنئي لقاءات ومباحثات مع علماء المنطقة، وزعماء القبائل، وعدد من الشخصيات البارزة. كما أوضح سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأهدافها، واستمع إلى مطالب الأهالي، واطّلع على التحديات والمشكلات التي كانوا يواجهونها.
كما كان، خلال فترة عضويته في مجلس الثورة الإسلامية، من الداعمين لتأسيس وترسيخ وتعزيز المؤسسات الثورية والشعبية، ومن بينها حرس الثورة الإسلامية (سپاه پاسداران انقلاب اسلامی) وجهاد البناء، وعدّ ذلك من أبرز أنشطته ومواقفه في تلك المرحلة.
في أواخر شهر تير 1358 هـ.ش (يوليو/تموز 1979)، وبعد دمج الحكومة المؤقتة مع مجلس الثورة الإسلامية، أُسندت إلى عدد من أعضاء المجلس مسؤوليات حكومية مهمة. وفي هذا الإطار، عُيّن آية الله السيد علي الخامنئي معاونًا لشؤون الثورة في وزارة الدفاع، بينما تولّى الشهيد مصطفى جمران منصب وزير الدفاع.
وخلال عملية دمج مجلس الثورة الإسلامية مع الحكومة المؤقتة، التي هدفت إلى جعل إدارة شؤون البلاد أكثر فاعلية وتنظيمًا، عُيّن آية الله السيد علي الخامنئي أيضًا عضوًا في اللجنة الوزارية لشؤون الأمن.
وتولى في هذه اللجنة متابعة القضايا العسكرية والأمنية في البلاد، وكان من بين مسؤولياته دراسة الأوضاع في غنبد وكردستان وخوزستان، والمساهمة في التعامل مع الأزمات هناك، إلى جانب مواجهة أنشطة الجماعات المعارضة للحكومة وعناصر الثورة المضادة.
من بين المسؤوليات المهمة التي أوكلها مجلس الثورة الإسلامية إلى آية الله السيد علي الخامنئي الإشراف على مركز الوثائق، وتوليه قيادة حرس الثورة الإسلامية في 23 آبان 1358 هـ.ش (14 نوفمبر/تشرين الثاني 1979). وقبل هذا التعيين، كان يشارك بصفة ممثل مجلس الثورة في اجتماعات حرس الثورة الإسلامية.
وجاء هذا التعيين بهدف معالجة الخلافات والصعوبات التنظيمية التي ظهرت داخل حرس الثورة الإسلامية خلال الأشهر التي أعقبت انتصار الثورة، والتي كانت لا تزال بحاجة إلى حلول. وقد سعى آية الله السيد علي الخامنئي، الذي كان من المؤيدين لتأسيس حرس الثورة الإسلامية وتعزيز دوره، إلى تنظيم هذه المؤسسة وتطوير أدائها، والعمل على معالجة الخلافات الداخلية فيها.
وفي 5 دي 1358 هـ.ش (26 ديسمبر/كانون الأول 1979)، قدّم استقالته من قيادة حرس الثورة الإسلامية بعد أن قرر الترشح لأول انتخابات لمجلس الشورى الإسلامي.
في الأيام الأخيرة التي سبقت انتصار الثورة الإسلامية، والأيام الأولى التي تلته، بدأ آية الله السيد علي الخامنئي، إلى جانب الشهيد آية الله السيد محمد حسيني بهشتي، وآية الله أكبر هاشمي رفسنجاني، وآية الله السيد عبد الكريم الموسوي الأردبيلي، والشهيد محمد جواد باهنر، جهودًا لتأسيس تنظيم سياسي ثوري ومنظم.
وإلى جانب دوره في مجلس الثورة الإسلامية ومشاركته في إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية، أسهم آية الله السيد علي الخامنئي في تأسيس هذا التنظيم، وتنظيم هيكله، وتعزيز نشاطه.
وفي 29 بهمن 1357 هـ.ش (18 فبراير/شباط 1979)، أُعلن رسميًا عن تأسيس هذا التنظيم تحت اسم «حزب الجمهورية الإسلامية».
بعد استشهاد الشهيد آية الله السيد محمد حسيني بهشتي، والشهيد محمد جواد باهنر، اللذين شغلا منصب الأمين العام الأول والثاني لحزب الجمهورية الإسلامية، عُيّن آية الله السيد علي الخامنئي في شهر شهريور 1360 هـ.ش (سبتمبر/أيلول 1981) أمينًا عامًا ثالثًا للحزب، وذلك بانتخاب من المجلس المركزي.
ومنذ السنوات الأولى التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية وحتى اكتمال ترسيخ نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال عقد الثمانينيات، عُدّ حزب الجمهورية الإسلامية من أبرز القوى الداعمة للنظام الإسلامي، ولم يقتصر دوره على كونه حزبًا سياسيًا، بل كان يؤدي دورًا فاعلًا في مختلف القضايا السياسية والثورية في البلاد.
كما أسهم الحزب في دعم نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتعزيز استقراره، وترسيخ أسسه خلال تلك المرحلة.
خلال الولاية الرئاسية الثانية لآية الله السيد علي الخامنئي، بدأت أنشطة حزب الجمهورية الإسلامية تتراجع تدريجيًا. ويُعزى ذلك إلى عدة عوامل، منها انتهاء الأزمات التي رافقت السنوات الأولى بعد انتصار الثورة الإسلامية، واستقرار المؤسسات الأساسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتولي آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني وعدد من القيادات الأخرى مسؤوليات تنفيذية كبيرة، إضافة إلى استشهاد عدد من مؤسسي الحزب في التفجير الذي وقع في 7 تير 1360 هـ.ش (28 يونيو/حزيران 1981).
كما كان الإمام روح الله الخميني يرى أن حزب الجمهورية الإسلامية لم يعد يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، بل أصبح سببًا في ازدياد الخلافات والتنافس بين التيارات السياسية المختلفة.
وانطلاقًا من ذلك، أكد آية الله السيد علي الخامنئي وآية الله أكبر هاشمي رفسنجاني في أرديبهشت 1366 هـ.ش (مايو/أيار 1987) أن استمرار نشاط الحزب قد لا يكون في مصلحة الوحدة الوطنية، واقترحا إنهاء أنشطته.
وفي 11 خرداد 1366 هـ.ش (1 يونيو/حزيران 1987)، وافق الإمام الخميني على هذا الاقتراح، وبذلك أُعلن رسميًا انتهاء نشاط حزب الجمهورية الإسلامية.
في 24 دي 1358 هـ.ش (14 يناير/كانون الثاني 1980)، عيّن الإمام روح الله الخميني آية الله السيد علي الخامنئي إمامًا لصلاة الجمعة في طهران، تقديرًا لمكانته العلمية، وخدماته الثورية، وإخلاصه، ودوره في مسيرة الثورة الإسلامية.
وأمّ آية الله السيد علي الخامنئي أول صلاة جمعة له في طهران يوم 28 دي 1358 هـ.ش (18 يناير/كانون الثاني 1980).
ومنذ ذلك الحين، واصل إمامة صلاة الجمعة في طهران بصورة منتظمة، ولم ينقطع عنها إلا لفترة قصيرة خلال شهري بهمن وإسفند 1359 هـ.ش (فبراير/شباط – مارس/آذار 1981)، عندما قام بزيارة رسمية ودبلوماسية إلى الهند.
واستمرت إمامته لصلاة الجمعة حتى 6 تير 1360 هـ.ش (27 يونيو/حزيران 1981)، حين أُصيب بجروح خطيرة إثر هجوم إرهابي استهدفه في مسجد أبي ذر بطهران.
بعد تعافيه، عاد آية الله السيد علي الخامنئي إلى أداء مهامه إمامًا لصلاة الجمعة في طهران. ومن أبرز المبادرات التي طرحها خلال تلك المرحلة الدعوة إلى عقد مؤتمرات لأئمة الجمعة على مستوى البلاد، بهدف تعزيز الوحدة والتنسيق والتعاون بين أئمة الجمعة في مختلف أنحاء إيران، إلى جانب توثيق العلاقات مع أئمة الجمعة والشخصيات الدينية في العالم الإسلامي.
وبعد موافقة الإمام روح الله الخميني، عُقد المؤتمر الأول لأئمة الجمعة في المدرسة الفيضية بمدينة قم، وتبعه تنظيم عدد من المؤتمرات والاجتماعات الأخرى.
وكان آية الله السيد علي الخامنئي يوضح في خطب الجمعة المواقف الدينية والسياسية والاستراتيجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد أسهمت هذه الخطب في نشر المعارف الإسلامية وتعزيز الوعي السياسي في المجتمع.
ومن السمات البارزة لخطب الجمعة التي ألقاها أن بعض خطبه كانت تُلقى باللغة العربية أيضًا، مما أتاح إيصال رسالته مباشرة إلى المسلمين في العالم الإسلامي وإلى المتحدثين باللغة العربية.
في اسفند 1358 هـ.ش (مارس/آذار 1980)، انتُخب آية الله السيد علي الخامنئي نائبًا عن مدينة طهران في الدورة الأولى لمجلس الشورى الإسلامي، بدعم من ائتلاف «قوى خط الإمام»، الذي ضمّ جمعية رجال الدين المناضلين في طهران، وحزب الجمهورية الإسلامية، وعددًا من الجماعات الإسلامية الأخرى.
وفي المجلس، تولّى رئاسة لجنة الدفاع، وأسهم من خلال هذا المنصب في متابعة قضايا الدفاع الوطني، وحرس الثورة الإسلامية، ودمج منظمة التعبئة (البسيج) في حرس الثورة الإسلامية، وإعادة تنظيم القوات المسلحة وإعادة بنائها، إلى جانب دراسة القضايا الأمنية المتعلقة بكردستان وسيستان وبلوشستان والمناطق الحدودية، والمساهمة في معالجتها.
ومن أبرز مواقفه خلال عضويته في المجلس إلقاؤه كلمة أيد فيها مشروع عدم الكفاءة السياسية المقدم بحق رئيس الجمهورية آنذاك أبو الحسن بني صدر.
وبعد اندلاع الحرب التي فرضها العراق على إيران في شهريور 1359 هـ.ش (سبتمبر/أيلول 1980)، قلّت مشاركته في جلسات المجلس بسبب وجوده المستمر في جبهات القتال. ثم ازدادت صعوبة حضوره بعد إصابته بجروح خطيرة في الهجوم الإرهابي الذي استهدفه في 6 تير 1360 هـ.ش (يونيو/حزيران 1981).
وفي النهاية، قدّم استقالته من عضوية مجلس الشورى الإسلامي بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية في مهر 1360 هـ.ش (أكتوبر/تشرين الأول 1981).
منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب التي فرضها العراق على إيران في شهريور 1359 هـ.ش (سبتمبر/أيلول 1980)، اضطلع آية الله السيد علي الخامنئي بدور فاعل في الدفاع عن البلاد. وبعد ساعات قليلة من بدء الهجوم العراقي، أبلغ الشعب الإيراني عبر الإذاعة بوقوع العدوان.
وفي اليوم التالي، شارك في الاجتماعات الاستشارية والعسكرية التي عُقدت لتقييم أوضاع جبهات القتال وتنظيم إجراءات الدفاع. وعندما تقرر إرسال ممثل إلى الخطوط الأمامية للاطلاع على الأوضاع الميدانية، تطوع آية الله السيد علي الخامنئي للقيام بهذه المهمة.
الحضور في جبهات القتال
وبعد موافقة الإمام روح الله الخميني، توجّه آية الله السيد علي الخامنئي إلى جبهات القتال في 5 مهر 1359 هـ.ش (سبتمبر/أيلول 1980). وظل حتى منتصف عام 1360 هـ.ش حاضرًا في معظم الأوقات على الجبهات الجنوبية، حيث تابع الأوضاع العسكرية، ورفع تقارير مباشرة إلى الإمام الخميني، وأسهم في تنظيم جهود الدفاع عن البلاد.
كما واصل حضوره في الجبهات الغربية، حيث شارك في توجيه الأنشطة الميدانية، ورفع التقارير عن تطورات الأوضاع، وتعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات العسكرية، إلى جانب الحفاظ على التواصل المستمر مع المقاتلين وأبناء الشعب.
شارك آية الله السيد علي الخامنئي في عدد من العمليات العسكرية، وأسهم في التخطيط لها وتنظيمها، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، وتقديم الدعم اللازم لها. كما بذل جهودًا في توفير الاحتياجات العسكرية واللوجستية لقوات حرس الثورة الإسلامية وقوات التعبئة (البسيج)، واهتم بتعزيز التعاون والتنسيق بين حرس الثورة الإسلامية والجيش الإيراني.
ومن أبرز أنشطته دعمه لمقر الحرب غير النظامية الذي تأسس بقيادة الشهيد مصطفى جمران. وقد شارك بصورة مباشرة في تدريب بعض الوحدات القتالية الخاصة، ولا سيما الوحدات المضادة للدبابات، والعمل على تزويدها بالمعدات اللازمة. كما أسهم في تعزيز الدفاع عن مناطق مهمة وحساسة، مثل خرمشهر، وعبادان، وسوسنكرد.
وبفضل هذه الأنشطة، برز آية الله السيد علي الخامنئي خلال السنوات الأولى من الدفاع المقدس بوصفه أحد الشخصيات التي أسهمت في تنسيق الجهود العسكرية، وتقديم الدعم اللوجستي، وتعزيز المقاومة الشعبية.
في 20 أرديبهشت 1359 هـ.ش (10 مايو/أيار 1980)، عيّن الإمام روح الله الخميني آية الله السيد علي الخامنئي ممثلًا ومتحدثًا باسمه في المجلس الأعلى للدفاع. وبعد ذلك، في 20 مهر 1359 هـ.ش (12 أكتوبر/تشرين الأول 1980)، أوكل الإمام الخميني إلى المجلس الأعلى للدفاع مسؤولية توجيه الشؤون العسكرية في البلاد، وتعزيز التنسيق بينها، والإشراف عليها.
وخلال توليه هذه المسؤولية، كان آية الله السيد علي الخامنئي من أبرز مستشاري الإمام الخميني في القضايا المتعلقة بالحرب، وشارك في مناقشة واتخاذ القرارات المرتبطة بالسياسات الدفاعية.
وكان يطلع الرأي العام، عبر وسائل الإعلام، على نتائج اجتماعات المجلس الأعلى للدفاع، وأهم القرارات التي تُتخذ، وآخر تطورات جبهات القتال، بهدف إبقاء المواطنين على اطلاع مستمر بمجريات الحرب وأوضاعها.
خلال الحرب التي فرضها العراق على إيران، اضطلع آية الله السيد علي الخامنئي بدور مباشر في الجهود الرامية إلى كسر الحصار المفروض على مدينة آبادان. كما كان يتابع عن كثب تطورات الأوضاع في جبهة خرمشهر، وكان يرى أن اتخاذ إجراءات عسكرية سريعة وحاسمة كان من شأنه أن يسهم في منع سقوط هذه المدينة.
وفي هذا السياق، وجّه آية الله السيد علي الخامنئي رسالة إلى رئيس الجمهورية آنذاك والقائد العام للقوات المسلحة، أبو الحسن بني صدر، اقترح فيها نشر لواءين عسكريين في منطقة سوسنكرد، بهدف تعزيز الدفاع عن خرمشهر والحيلولة دون سقوطها بيد القوات العراقية.
إلا أن هذا الاقتراح لم يُنفذ، وانتهى الأمر بسقوط مدينة خرمشهر في يد القوات العراقية.
خلال السنوات الأولى من الحرب التي فرضها العراق على إيران، بذلت شخصيات ومنظمات دولية عديدة جهودًا للوساطة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار وإحلال السلام بين إيران والعراق. وكان آية الله السيد علي الخامنئي يرى أن أي اتفاق سلام لا يمكن قبوله إلا إذا استجاب العراق للمطالب الأساسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي شملت الانسحاب الكامل للقوات العراقية من الأراضي الإيرانية، وتعويض الأضرار التي خلفتها الحرب، والاعتراف بالمسؤولية عن العدوان على إيران.
وكان آية الله السيد علي الخامنئي يرى أن السلام المفروض أو غير العادل قد يكون، في بعض الأحيان، أكثر ضررًا من استمرار الحرب.
ومع ذلك، لم يكن يعتبر جهود بعثات السلام والوفود الدولية للوساطة عديمة الفائدة، بل كان يرى أنها تمثل فرصة لإظهار حقيقة نظام صدام حسين وسياساته العدوانية أمام المجتمع الدولي، وتسليط الضوء على ما لحق بالشعب الإيراني من أضرار بسبب الحرب، وبيان موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتوضيحه للرأي العام العالمي.
بعد عزل الرئيس أبو الحسن بني صدر، بدأت الجماعات المؤيدة له ومنظمة مجاهدي خلق تنفيذ عمليات إرهابية وأعمال عنف في الشوارع.
وفي 27 جون 1981 كان عدد كبير من الناس مجتمعين في مسجد أبي ذر في طهران، حيث كان الحاضرون يطرحون أسئلة حول الشهيد آية الله السيد محمد حسيني بهشتي، وكان آية الله السيد علي الخامنئي يجيب عنها.
وأثناء إلقاء كلمته، نُقل جهاز تسجيل كبير بين الحاضرين ووُضع بالقرب من المنبر. ولم يثر ذلك أي شك، إذ ظن الجميع أنه جزء من أجهزة الصوت المعتادة في المسجد. ووُضع الجهاز في البداية إلى يسار آية الله الخامنئي، ثم نقله أحد الأشخاص بعد أن نظر إليه قليلًا ووضعه على مسافة قصيرة إلى الجهة اليمنى.
وبعد فترة قصيرة، صدرت أصوات غير مألوفة من مكبر الصوت، فالتفت آية الله الخامنئي نحو المنبر وقال: «أصلحوا هذا الصوت أو أوقفوه». وفي تلك اللحظة ابتعد قليلًا عن الميكروفون وجهاز التسجيل الموضوع على الطاولة، على أمل معالجة الخلل.
وفجأة دوّى انفجار عنيف هزّ المسجد بأكمله. وقد تعددت الآراء بشأن الجهة المسؤولة عن هذا الهجوم الإرهابي؛ فذهب بعضهم إلى أنه نُفذ على يد جماعة فرقان، بينما نسبه آخرون إلى منظمة مجاهدي خلق.